أحمد بن محمد المقري التلمساني

102

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

جلباب الحياء عن وجهه ، وزخمه « 1 » على ما أبداه أو أهداه من العيوب التي نسبها لأخيه ، واستراح على قوله بها فيه ، ونذكره على طريقة نصيحة الدين بالحديث الثابت في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو قوله « أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال : إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم ، فطرحت عليه ، ثم طرح في النار » . ويعلم اللّه أنّ معنى هذا الحديث الثابت عن النذير الصادق ، هو الذي حملني على نصحكم ، ومراجعتكم في كثير من الأمور : منها الإشارة عليكم بإذهاب عين ما كتبتم به في التاريخ وأمثاله ، فإنكم نفعتم بما وقعتم فيه من الغيبة المحرمة أحياء وأمواتا لغير شيء حصل بيدكم وضررتم نفسكم بما رتبتم لهم من المطالبات بنصّ الكتاب والسّنّة قبلكم ، والرضا بهذه الصفة الخاسرة أمر بعيد من الدين والعقل . وقد قلت لكم غير مرة عن أطراسكم « 2 » المسوّدة بما دعوتم إليه من البدعة والتلاعب بالشريعة إنّ حقّها التخريق والتحريق ، وإنّ من أطراها « 3 » لكم فقد خدع نفسه وخدعكم ، واللّه الشهيد بأني نصحتكم وما غششتكم ، وليس هذا القول وإن كان ثقيلا عليكم بمخالف كلّ المخالفة لما زننتم « 4 » به من تقدّم المواجهة بالملاطفة والمعاملة بالمكارمة ، فليست المداراة بقادحة في الدين ، بل هي محمودة في بعض الأحوال ، مستحسنة على ما بيّنه العلماء ، إذ هي مقاربة في الكلام أو مجاملة بأسباب الدنيا لصلاحها أو إصلاح الدين « 5 » ، وإنما المذموم المداهنة ، وهي بذل الدين لمجرد الدنيا ، والمصانعة به لتحصيلها ، ومن خالط للضرورة مثلكم ، وزايله بأخلاقه ونصحه مخاطبة ومكاتبة ، واستدلّ له بكتاب اللّه تعالى وسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، على صحّة مقالته ، فقد سلم والحمد للّه من مداهنته ، وقام للّه تعالى بما يجب عليه في حقكم من التحذير والإنكار مع الإشفاق والوجل « 6 » . وأكثرتم في كتابكم من المنّ بما ذكرتم أنكم صنعتم . وعلى تقدير الموافقة لكم ليتكم ما فعلتم ، فسلمنا من

--> ( 1 ) زخمه : دفعه دفعا شديدا ، وفي ب « ونرحمه » . ( 2 ) أطراس : جمع طرس ، وهو الصحيفة . ( 3 ) أطراها : مدحها . ( 4 ) زنّ به : اتهم به . قال حسان بن ثابت في السيدة عائشة أم المؤمنين : حصان رزان ما تزنّ بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الكوافر ( 5 ) في ب « صلاح الدين » . ( 6 ) الوجل : الخوف .